مراقبة عام
- إنضم
- 23 أبريل 2011
- المشاركات
- 6,205
- الموضوع الكاتب
- #1
مع انتشار التعليم في دول الخليج العربية، وافتتاح الجامعات، وتأسيس الأندية الثقافية، وظهور وزارات أو هيئات حكومية معنية بالشأن الثقافي، دخلت المنطقة في حالة حراك ثقافي غير مسبوق، وتعزّز هذا الحراك بظهور العديد من مجلات الثقافة الدورية الرصينة، من تلك التي حرصت على تقديم زاد معرفي محكم بأقلام كبار المبدعين في العالم العربي.من أمثلة هذه المجلات المبكرة: «قافلة الزيت» الشهرية (القافلة حالياً) الصادرة عن شركة أرامكو النفطية بالظهران (صدر عددها الأول في أكتوبر 1953)، و«العربي» الشهرية الصادرة عن وزارة الإعلام بدولة الكويت (صدر عددها الأول في ديسمبر 1958)، و«المنهل» الشهرية التي أسّسها الأديب السعودي عبدالقدوس الأنصاري في المدينة المنورة (صدر عددها الأول في فبراير 1937). و«العرب» الشهرية (تحولت لاحقاً إلى فصلية) التي ظهرت على يد علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر في الرياض (صدر العدد الأول منها في أكتوبر 1966).لاحقاً، شهدت منطقة الخليج والجزيرة العربية طفرة في عدد الدوريات والفصليات الصادرة عن الجامعات أو المؤسسات العلمية أو وزارات الإعلام والثقافة، ومن أمثلتها: مجلة «الفيصل» ومجلة «رسالة الخليج العربي» السعوديتان، مجلة «نزوى» العمانية، مجلة «الدوحة» القطرية، مجلة «البحرين الثقافية» و«الخليج العربي للبحوث العلمية» البحرينيتان، مجلة «دراسات» الإماراتية، مجلة «دراسات الخليج والجزيرة العربية» الكويتية، وغيرها.ويمكن القول إن دولة الكويت، ومن خلال مجلسها الوطني للثقافة والفنون والآداب، كانت الأنشط في هذا المجال، ولعبت دوراً رائداً ومعتبراً في نشر العلم والمعرفة في الخليج والوطن العربي، بما دأبت على إصداره من مطبوعات رصينة مكتنزة بالفكر والثقافة والعلوم الإنسانية الرفيعة. ونجد أبرز تجليات ذلك في سلسلة «عالم المعرفة»، وهي عبارة عن كتب ثقافية تصدر مطلع كل شهر منذ يناير 1978، بهدف ربط القارئ بأحدث التيارات الفكرية والثقافية المعاصرة. ونجدها متجلية ثانياً في سلسلة «المسرح العالمي»، وهي عبارة أيضاً عن كتب شهرية (صدر العدد الأول منها في مارس 1971)، وتهدف إلى تنمية الوعي بالفن المسرحي وإثرائه فكرياً وأدبياً عن طريق نشر المسرحيات العالمية لكبار كتاب المسرح على مستوى العالم بعد ترجمتها من لغتها الأصلية إلى العربية بإتقان وإخضاعها للتحكيم العلمي. ونجدها متجلية ثالثاً في مجلة «عالم الفكر»، وهي دورية ثقافية محكمة (ظهر عددها الأول في أبريل عام 1970)، ولا يعرف قدرها ومكانتها الرفيعة سوى الأكاديميين والجامعيين العرب.دعونا نقرأ ما كتبه الشاعر والكاتب الأردني يوسف أبواللوز في صحيفة «الخليج» (19/12/2019) عن أثر هذه الدوريات، وتحديداً سلسلة «عالم المعرفة» كمشروع فكري تنويري. يقول أبواللوز: «هي بحق ظاهرة ثقافية عربية في تاريخ الآداب، والعلوم، والفنون والجماليات والفكر والنقد واللغات والأديان والأساطير والثقافات الشعبية والتراثيات العالمية.. وكل ذلك بطباعة نظيفة أنيقة وأسعار أقل من رمزية.. أسعار ثابتة رغم تغيّر أسعار العملات في العالم على مدى أكثر من أربعين عاماً وحتى اليوم».ويضيف: «وراء تأسيس هذه السلسلة نبل ثقافي وروح عربية وحدوية، هي جزء أصيل من طبيعة الكويت والمثقف الكويتي. فالسلسلة الشهرية تصل إلى كل أقطار الوطن العربي، وفور وصولها إلى مكتبات وأكشاك العواصم العربية تنفد بعد وقت قصير، وكم يشعر المثقف العربي بغبن نفسه بنفسه إذا لم يسارع إلى الحصول على نسخته من العنوان الجديد في هذه السلسلة التاريخية. أسّس سلسلة عالم المعرفة، كما يعرف ملايين القرّاء العرب الشاعر الكويتي أحمد مشاري العدواني (1923ــ2010)، إلى جانب المفكر المصري الدكتور فؤاد زكريا (1927ــ2010). وعندما أسّس هذان العلمان العربيان سلسلة عالم المعرفة كانا في أوائل الخمسينات من عمريهما، ما يؤشر إلى وعي فكري وثقافي مبكر عندهما بالنظر إلى تأسيس مشروع في حجم سلسلة عالم المعرفة آنذاك، وبالنظر إلى ضمان نجاحه واستمراريته».أما عن سلسلة «المسرح العالمي»، فقد كتب الدكتور محمد فتحي فرج في مجلة «العربي» (العدد 687) فقال إنها «سدت نقصاً في المكتبة العربية أحدثه غياب (سلسلة المسرح العالمي) التي كانت تصدرها وزارة الثقافة المصرية. وقدّمت لنا هذه السلسلة روائع المسرح العالمي لعمالقة الشعراء والمسرحيين منذ عهد اليونان وحتى الآن، فقدمت أعمالاً لفوكليس، وشكسبير، وراسين، وجوته، وبيكيت، وغيرهم».ومما لا شك فيه أن تلك الدوريات الكويتية لم تكن لتخلق أثراً مدوياً وإشعاعاً فكرياً خالداً لولا وقوف ثلة من النجباء والمثقفين الكويتيين والعرب خلف دفتها. وإذا كان أحد هؤلاء الكويتيين هو الأديب الشاعر أحمد مشاري العدواني، فإن إحدى الشخصيات العربية البارزة التي رافقته لسنوات ووضعت علمها وخبرتها تحت تصرفه لإنجاز إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب على أكمل وأفضل وأثرى وجه هو «صدقي عبدالله خطاب»، الذي سنحاول في هذه المادة توثيق سيرته منذ أن وطئت قدماه أرض الكويت لخدمتها ثقافياً.أتى على ذكر حطاب الناقد والكاتب المصري جابر العصفور في مقال نشره بمجلة «العربي» الكويتية (العدد 703)، خصّصه لسرد ذكرياته في السنوات التي عمل فيها بالكويت، فقال: «ولا أكاد أذكر أحمد العدواني إلا ويرد على ذهني ذكر مساعده الأستاذ صدقي حطاب، الفلسطيني الجنسية، الذي عاش أغلب سنوات عمره في الكويت، بعد أن تخرج في قسم اللغة الإنجليزية من جامعة القاهرة. ولا تزال صلتي بالأستاذ حطاب قائمة، وأسأل عنه دائماً كلما ذهبت إلى عمَّان، فهو من أصدقاء الزمن الجميل بسنواته التي لا تنسى، والتي لا أزال أراها بمنزلة الحلم الذي كان يجمعني بشخصيات هي رموز مضيئة في كل مجال من مجالات المعرفة. وأعتقد أن إسهام صدقي حطاب في تأسيس سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية كان عظيماً، فهو الذي كان بمنزلة الدينامو، الذي كان يكمن وراءها، والذي ظل يعمل على استمرارها وتجددها إلى أن اضطرته أحواله الصحية إلى التخلي عنها والعودة إلى مستقره الدائم في عمَّان، حفظه الله ومنحه المزيد من العمر والعافية».وكتب عنه في صحيفة «الرأي» الأردنية (30/3/2011) صديقه وزميله في العمل في اللجنة العليا لتطوير الفنون في الكويت، ثم في الأمانة العامة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المسرحي الكويتي عبدالعزيز السريع، فوصفه بالمعلم المثقف، وسرد الكثير من ذكرياته معه، متطرقاً إلى جهوده الكبيرة وإخلاصه وتفانيه في العمل، في الحقل التربوي وفي الحياة العامة ومشيراً إلى مؤلفاته العديدة. ومما قاله: «توثقت علاقتي به وازدادت عمقاً بمرور الوقت لإعجابي بشخصه وثقافته الواسعة والمتنوعة على الوجهين التراثي والمعاصر.. العربي والعالمي، حيث خدم الأستاذ صدقي حطاب بإخلاص في الكويت، ولعب دوراً بارزاً في العمل التربوي والثقافي، وقد قام بأمر مباشر من صديقيه عبدالعزيز حسين وأحمد العدواني بتأسيس قسم اليونيسكو في (دائرة المعارف) عام 1957، وعمل إلى جوارهما في النشاط الثقافي لوزارة التربية وفي مدارسها وفي الحياة العامة». وأضاف ما معناه أن حطاب أمضى 35 سنة يعمل في الكويت بحب وإخلاص، وبعد تركها للإقامة في الأردن كان الحنين لها يشده فيقوم بزيارتها وزيارة أصدقائه الكثر بها.ونشرت صحيفة «الحياة الجديدة» الفلسطينية (31/10/2017) سردية مفصلة عن نشأته ودراسته ومسيرته المهنية، بمناسبة رحيله إلى مثواه الأخير في عام 2017 بمدينة عمّان الأردنية، بدأتها بالإعراب عن الأسف لتجاهل خبر وفاته وشح أخباره، «رغم إنجازاته الفكرية، والأدبية، والعلمية، ذائعة الصيت في الكويت، التي عاش بها سنين عديدة، وعمل في فضائها الثقافي، ليكون واحداً من الأسماء العملاقة التي أثرت المكتبات العربية بالأدب المترجم، والمجلات الفكرية».وبعد انتشار خبر وفاته قامت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) في 30/10/2017 بنعيه من خلال بيان عنونته بـ«صدقي خطاب.. قامة أدبية عميقة ترحل».وُلد صدقي عبدالله حطاب بقرية «كفرصور» التابعة لقضاء طولكرم سنة 1932، ورحل عن الدنيا بمدينة عمّان الأردنية في أواخر أكتوبر 2017 عن عمر ناهز 85 عاماً. وكالكثير من أبناء فلسطين الذين اضطروا للنزوح إلى دول الجوار بعد حرب 1948، عاش حطاب وترعرع وأكمل تعليمه النظامي في الأردن، قبل أن ينتقل إلى مصر لمواصلة تعليمه الجامعي.في مصر التحق حطاب بجامعة القاهرة، طالباً بكلية آداب اللغة الإنجليزية، التي منحته درجة الليسانس في عام 1955، لينتظر بعدها عدة سنوات إلى أن تهيأت له الظروف لمواصلة تعليمه العالي الذي أتمه في عام 1967 في جامعة لندن التي منحته درجة الماجستير عن أطروحة بعنوان «مذهب ريتشارد في النقد الأدبي». بعد ذلك واصل دراسته بجامعة لندن إلى أن نال منها درجة الدكتوراه عن أطروحة بعنوان «أثر إليوت في الأدب العربي المعاصر».من التعليم إلى المسرحبدأت مسيرته المهنية فور تخرجه من جامعة القاهرة، حيث كان ضمن الخريجين الفلسطينيين الذين تعاقدت معهم دائرة المعارف الكويتية للعمل بالكويت قبل استقلالها. وهكذا حلّ حطاب في الكويت وبدأ عمله مدرساً للغة الإنجليزية في العام الدراسي 1955/ 1956. وفي عام 1957 تمّ نقله للعمل بقسم اليونيسكو في دائرة المعارف الكويتية. وفي الوقت نفسه قاده شغف العطاء وتثقيف من حوله إلى المساهمة في البرامج الثقافية لإذاعة الكويت مثل إعداد وتقديم برنامج «من المسرح العالمي» (استمر بثه لسبع سنوات من 1977 وحتى 1984، وضم 350 حلقة اشتملت على تعريف بالمؤلف وتلخيص لإحدى مسرحياته وتقديم شاهد من المسرحية ونقد له)، ثم إعداد وتقديم بعض البرامج المتلفزة من خلال تلفزيون الكويت مثل برنامج «الأدب في أسبوع» الذي داوم على تقديمه مع سليمان الشطي وعبدالعزيز السريع. إلى ذلك انشغل في هذه المرحلة من حياته بالترجمة، فقام بترجمة العديد من الدراسات والأبحاث والكتب ذات العلاقة بالتربية والتعليم والمسرح من الإنجليزية إلى العربية، ومنها: «منهج المدرسة الابتدائية» في عام 1965، «وسائل وتقنيات جديدة في التربية» و«ناظر المدرسة الناجح» في عام 1966، «فن السيرة الذاتية» في عام 1972. علاوة على قيامه في عام 1970 بترجمة أربع مسرحيات لكل من يونسكو وأداموف وأربال وألبي، صدرت ضمن سلسلة «من المسرح العالمي».والحقيقة أن البصمة الإبداعية الحقيقية في تجربة حطاب جاءت من قيامه، وسط الظروف والأزمات السياسية والاجتماعية الصعبة التي أعقبت هزيمة حزيران، بطرق باب أصعب الترجمات، ونعني بذلك ترجمة الفنون المسرحية، بدءاً بترجمة «فن المسرحية» لفريد ميليت وجيرالد ايدس بنتلي، الذي نهل منه كبار مبدعي العمل المسرحي. ثم واصل الرجل تجربته الأدبية والفنية من خلال الاحتكاك بروّاد المسرح في فلسطين والأردن والكويت، وهو ما ساعده على تحريك الفضاء المسرحي العربي من خلال طرح أسئلة تناولت معضلات مثل: لماذا اختار مارتن إسلين مسرحيات يونسكو وبيكيت وجينيه وأداموف، لتكون نموذجاً حرياً بالجمع بين دفتي كتاب «مسرح العبث» النقدي؟1977.. التحول المفصليشكّلت سنة 1977 منعطفاً مفصلياً في حياته امتد تأثيره الثقافي حتى أغسطس عام 1990 الذي شهد تدمير القوات العراقية الغازية لكل نبت ثقافي جميل زرعته الكويت. ذلك أن الفترة من 1977 وحتى 1990 شهدت انتقاله للعمل مديراً لدائرة الشؤون الثقافية والفنية في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت. واستمر ممسكاً بهذا المنصب حتى عام 1989، الذي تمّ فيه تعيينه مديراً للمشاريع الثقافية في المجلس ذاته حتى أغسطس 1990، وفي الوقت نفسه كان عضواً مؤسساً ونائباً لرئيس اللجنة الدائمة للثقافة العربية التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألسكو). كما شهدت تلك السنوات تألقه وإنجازاته الفكرية والأدبية والعلمية في الفضاء الكويتي والخليجي والعربي كواحد من الأسماء العربية ذات التأثير في الأدب المترجم والفكر العربي، خصوصاً أنه كان خلال هذه الفترة عضو هيئة التحرير في كل من: سلسلة «عالم المعرفة» من يناير 1978 وحتى أغسطس 1990، ومجلة «الثقافة العالمية» من عام 1981 وحتى عام 1990، قبل أن يخرج من الكويت مضطراً بسبب الغزو العراقي وتوقف الأنشطة الثقافية، ويستقر في الأردن حيث تولى رئاسة تحرير مجلة «المشكاة» الأردنية (مجلة علمية صادرة عن عمادة البحث العلمي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية بعمّان) منذ عام 1992، ثم صار مديراً لتحرير «مجلة العلوم التطبيقية» الأردنية حتى عام 1998.ونختتم بالإشارة إلى أن لحطاب ابنة اقتفت أثره، وهي الباحثة والكاتبة والأكاديمية الدكتورة «منن صدقي حطاب» التي وافتها المنية في 27 مارس 2026.
