• عزيزي العضو

    إذا كنت تواجه مشكلة في تسجيل الدخول الى عضويتك فضلا قم بطلب تغيير كلمة المرور عبر (نسيت كلمة المرور) أو التواصل معنا عبر أيقونة التواصل في الأسفل او البريد support@shomoo5.com او من خلال المحادثات على الواتساب عبر الرابط التالي wa.link/s8bcjo او مسح الباركود في الصوره

    إدارة الموقع

إنضم
17 يناير 2008
المشاركات
18,499
  • الموضوع الكاتب
  • #1
تشكل الحياة الإنسان كما تشاء عبر مر السنين، والعجيب أننا نولد كالفخار، عجينة خام قابلة للتشكيل، تتولى الأيدي الأولى في حياتنا صياغتها. فالطفل يمكن أن يُصنع منه قائد عظيم، كما يمكن أن يتحول إلى مجرم عالة على المجتمع، والفيصل في ذلك هو تلك الأيدي التي تشكل الفخار البريء الذي لا حول له ولا قوة فيما يُصنع به. غير أن الخطورة تكمن في أن ما يُصنع في تلك المرحلة لا يمكن تغييره لاحقًا، فالفخار إذا جف لا يُعاد تشكيله، ولذلك كان لزامًا على من يتولى هذه المهمة أن يكون حذرًا في كل تفصيل يضيفه، وكل زخرفة يحفرها، لأن هذا الفخار ما إن يدخل فرن التجربة وينضج حتى يتخذ شكلًا نهائيًا، يظل شاهدًا على آثار تلك الأيدي طوال بقائه.



ولا يقتصر الأمر على التشكيل الظاهري، بل لا بد من جعله صلبًا متماسكًا، لا ينكسر أمام أول مصاعب الحياة. فإن لم يكن الصانع خبيرًا بفنون صناعة الفخار، مدركًا لكيفية التعامل مع تلك العجينة الخام التي أودعتها الحياة بين يديه على أجمل هيئة وأبدع تكوين، فالأجدر به أن يتعلم قبل أن يُقدِم، حتى لا تكون تلك العجينة ضحية قلة خبرته وسوء تقديره.



ثم يأتي جوهر الإناء، وهو الأهم، فما نفع أن يُزخرف من الخارج بأبدع النقوش، وهو من الداخل خاوي لا يملؤه إلا الفراغ؟ إن الإناء الفخاري لا يكتمل إلا بما يحتويه، فالماء نافع، لكن العسل أطيب، والمسك أزكى، والجواهر أثمن. الإيمان كالعسل يفيض حلاوة في القلب فيجعل العالم أكثر جمالًا، والأخلاق كالمسك تنتشر رائحتها الطيبة فتأسر من حولها، والمعرفة كالجواهر لا تُقدر بثمن، ترفع صاحبها من الفقر إلى الغنى الحقيقي، فكل إنسان بقيمة ما يعرف وما يكتسب.



ولا يقل أهمية عن ذلك أن تُمحى آثار البصمات، ليكون لهذا الإناء كيانه المستقل، بعيدًا عن استنساخ صانعه، وحينها فقط يحين وقت الحصاد، حين ينظر المرء إلى تلك التحفة بعين الفخر والاعتزاز، ويستمع إلى ثناء من حوله على جمالها من الداخل والخارج.



هكذا هو الإنسان حين يولد كعجينة الفخار الخام، وأهله هم من يصوغون شخصيته، ويغرسون قيمه الأخلاقية التي تبقى راسخة في عقله ووجدانه. والجوهر هو ما يكتسبه الإنسان بنفسه، وفيه تكمن أهميته الحقيقية.
إن حمل هذه الأمانة مسؤولية عظيمة يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة، أمانة غرس القيم في من أوكل إليه أمرهم، والقيام بحقوقهم دون الالتجاء إلى أعذار الانشغال وضيق الوقت، أو التعلل بالمشاغل والأعمال. فهناك من ينتظر ذلك الطفل بشغف حتى يكبر ويحمل المسؤولية، ويرفع راية النجاح والفلاح التي يهديها لوطنه ودينه، وذلك هو حال الموفي بالأمانة. أما المفرط فيها، فلا هم له سوى توفير الطعام والشراب والمسكن، وكأن دوره لا يتجاوز رعاية الغنم، مع فارق أن الأول يتعامل مع بشر من طين، والثاني مع أنعام. وهي مقارنة قاسية، لكنها تعكس واقعًا مريرًا.
وقد يُتقن الصانع صناعته، ويسقي فخاره من عرق الجبين، ويبدع في اختيار ملامحه، ليكون مفخرة للناظرين، غير أن البيئة المحيطة قد تشوه هذا الجمال، وتفسد ذلك العمل المتقن.



وبالانتقال من الكناية إلى الواقع، نجد المربي الذي يلازم غرس المبادئ والقيم، يغذي الطفل بأطايب الأخلاق، ويرويه من زلال الدين، ويكشف له معالم الطريق. غير أن هذا الطفل، في طور نموه، قد تعصف بفكره وقلبه مؤثرات البيئة، من مدرسة أو رفقة أو وسائل إعلام وتواصل، فتأخذه بعيدًا عن الصراط المستقيم شيئًا فشيئًا.
من هنا كان لزامًا على المربي أن يكون ابن عصره، واعيًا بما يستجد، مدركًا لمداخل التأثير، في زمن تشكو فيه الأخلاق من الأفول، وتتأرجح فيه المبادئ بين الإهمال والتفريط. فالاهتمام بالجوهر هو الأساس الذي يُخرج جيلًا سليمًا لا يعرف النفاق ولا يتزين بصلاح زائف، وكم نرى من متلبسين بلباس الدين، وهم إلى النفاق أقرب من التقوى.
ومع ذلك، ليس شرطًا أن يكون من نربيه منذ نعومة أظفاره نموذجًا مثاليًا أو قدوة عالمية، كما لا يعني هذا أن نترك أبناءنا عرضة للضياع أو نسلمهم للشارع، ليغلب عليهم الخير أو الشر بحسب السبق.



يبقى أثر التربية سؤالًا مفتوحًا، فقد يتلقى الطفل جرعات إيمانية، وتُغرس في قلبه القيم الإنسانية، ثم يحيد عن الطريق، بل قد ينقلب على ما تربى عليه. وقد يكون ذلك بسبب الإكراه أو سوء الفهم، وقد يكون بعد نضج واختيار. وفي كثير من الأحيان، يتنازل الإنسان عن بعض مبادئه تحت ضغط المغريات، فتنفرط حبات القناعات من عقد الإيمان.
غير أن الغالب، بلطف الله، أن يستيقظ الضمير، فيقرع القلب، ويستدعي الذاكرة، ليعيد الإنسان إلى أطلال ماضيه حين كان قريبًا من منبع الخير. وهنا يختلف الناس، فمنهم من يعود إلى رشده، ومنهم من يكتم صوت الضمير ويمضي.
وخلاصة القول، تبقى مسؤولية ولي الأمر غرس المبادئ والقيم في من تحت يده، أما النتائج والمآلات فتوكل إلى الله رب العالمين.
 
أعلى